recent
أخبار ساخنة

فلسفة الخفاء والظهور: رحلة في أسرار الذات الإلهية وعجائب الكون المنظور

فلسفة الخفاء والظهور: رحلة في أسرار الذات الإلهية وعجائب الكون المنظور

مقدمة: الكون بين تجلي الصفات وخفاء الذات

في واحدة من أعمق حلقات برنامجه الشهير "العلم والإيمان"، أخذنا الفيلسوف والطبيب الدكتور مصطفى محمود في رحلة إيمانية وفلسفية لاستكشاف مفهوم "الخفاء والظهور". يرتكز هذا المفهوم على حقيقة كبرى: أن الله سبحانه وتعالى أظهر أفعاله وصفاته في كل ذرة من ذرات الوجود، لكنه استأثر بذاته في غيب الغيب. هذا التوازن بين ما نراه وما لا نراه ليس مجرد صدفة قدرية، بل هو حكمة إلهية بالغة تضمن للإنسان القدرة على العيش والاستمرار.

مصطفى محمود العلم والإيمان  فلسفة الخفاء والظهور  لماذا لا نرى الله  أسرار النفس البشرية  عجائب الميكروبات في جسم الإنسان  التوازن البيئي في الإسلام  الإبر الصينية وبوابات الألم  أسرار الكون الغيبية  الإيمان بالغيب مصطفى محمود  توازن الخلق وقانون التدافع
فلسفة الخفاء والظهور: رحلة في أسرار الذات الإلهية وعجائب الكون المنظور

فلسفة الخفاء والظهور: رحلة في أسرار الذات الإلهية وعجائب الكون المنظور


أولاً: الذات الإلهية.. الخفاء من فرط الظهور

عندما نتحدث عن الله، فنحن نتحدث عن "الأكبر" مطلقاً. وهنا يبرز تساؤل: لماذا لا نرى الله؟ الإجابة تكمن في أن الخفاء قد يأتي من شدة القرب أو عظمة الكبر.

  1. خفاء العظمة (فرط الكبر): الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، ولأن العين البشرية والحواس محدودة النطاق، فهي لا تستطيع الإحاطة بما هو غير محدود. لكي يرى البصر شيئاً، لا بد أن يحيط به، والله لا يحيط به بصر ولا إدراك.

  2. خفاء القرب الشديد: يقول الله في كتابه العزيز: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد". هذا القرب الذي يتجاوز المسافات يجعل الإدراك عاجزاً، تماماً كما لا تستطيع العين رؤية "سوادها" (البؤبؤ) لشدة قربه منها.

  3. الأسماء الحسنى كجسر للتواصل: من لطف الله بعباده أنه تنزل إلينا بأسمائه وصفاته. فبينما تظل "الذات" خفية، تتجلى صفات "الجمال" (كالحليم، الرحيم، الودود) وصفات "الجلال" (كالجبار، المنتقم، القهار) لنفهم مراده ونستشعر وجوده.


ثانياً: النفس البشرية.. السر المكتوم في الجسد المعلوم

الإنسان هو "الكون الأصغر" الذي تظهر فيه آيات الخالق. نحن نعرف عن الإنسان طوله، عرضه، ملامحه، وتصرفاته، ولكننا حين نصل إلى "النفس"، نقف أمام حائط مسدود.

  • النفس هي السر الأعظم: النفس الإنسانية هي المحرك الخفي للجسد، وهي تخرج عن نطاق الحواس والتشريح. حتى الإنسان نفسه لا يحيط بكنه نفسه.

  • تشريح الغيب: تماماً كما أخفى الله ذاته وأظهر صفاته في الكون، أخفى في الإنسان "نفسه" وأظهر "أفعاله وصفاته". هذا التوازي يجعل من فهم النفس سبيلاً لفهم عظمة الخالق.


ثالثاً: أنواع الخفاء في العالم المادي

لم يقتصر الخفاء على الغيبيات، بل هو قانون يسري في عالمنا المشهود. يصنف الدكتور مصطفى محمود أنواع الخفاء إلى:

  1. الخفاء لفرط الصغر: عالم الذرات، البروتونات، الفيروسات، والبكتيريا. كائنات تملأ الفراغ حولنا لكنها لا تدرك بالعين المجردة.

  2. الخفاء لفرط البعد: الأجرام السماوية والمجرات السحيقة التي لا نرى منها إلا بصيصاً من الضوء يعود لآلاف السنين الضوئية.

  3. الخفاء لخروج الموضوع عن نطاق الحواس: مثل الموجات فوق البنفسجية (Ultra Violet) والموجات فوق الصوتية. هي موجودة، تؤثر وتتأثر، لكن أجهزتنا الحسية لم تصمم لاستقبالها.

  4. خفاء الغيب المطلق: وهو ما يخرج عن الحواس والإدراك معاً، مثل "الذات الإلهية"، وهذا هو "العماء المطلق" الذي لا يطمع في الوصول إليه ملك مقرب ولا نبي مرسل.


رابعاً: أجهزة الجسد الخفية.. ما وراء التشريح التقليدي

في حديثه عن أسرار الطب، يشير الدكتور مصطفى محمود إلى معجزة "الإبر الصينية" كدليل على وجود أجهزة خفية في أجسادنا.

  • بوابات الألم ومسارات الطاقة: أثبت الطب الصيني وجود شبكة معقدة من المسارات العصبية والطاقية التي لا تراها عين الجراح، ولكنها موجودة ومؤثرة. غرز إبرة في نقطة معينة في الكف قد يؤدي لتخدير عضو في أقصى البطن!

  • خريطة الجسد في الكف: كيف يمكن لراحة اليد أن تحتوي على "فهرس" كامل لبوابات الألم في الجسم؟ هذا النوع من الخفاء يؤكد أن معرفتنا بجسدنا لا تزال في قشورها الخارجية.


خامساً: العالم المجهري.. نحن لسنا وحدنا!

لو كشف الله الغطاء عن أبصارنا لنرى العالم المجهري المحيط بنا، لما طاب لنا عيش. يستعرض النص حقائق مرعبة ومذهلة في آن واحد:

  • حديقة حيوان على جلدك: الإنسان يحمل على جسده ما يقارب 4000 مليون طفيل وميكروب.

  • عناكب الرموش: كائنات مجهرية (مثل الديموديكس) تعيش في جذور رموش العين، تتكاثر وتتحرك ونحن لا نشعر بها.

  • مواشي المخدة: على أنظف الوسائد، توجد "قطعان" من الكائنات العنكبوتية الدقيقة التي تتغذى على قشور الجلد الميتة.

  • ميكروبات العرق: في غضون 8 ساعات فقط، يمكن لبكتيريا واحدة في منطقة الإبط أن تتكاثر لتصبح مليوناً!


سادساً: قانون التدافع والتوازن الإلهي

لماذا لا تطغى هذه الكائنات المجهرية على العالم؟ هنا تتجلى "الإدارة الإلهية" للكون من خلال قانون "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".

  • التوازن البيئي: لو أُعفي الصرصور الواحد من أعدائه الطبيعيين، لتغطت الكرة الأرضية بطبقة من الصراصير بسمك مترين خلال 24 ساعة فقط!

  • سلاح الأعداء الطبيعيين: الله سلط على كل كائن قوي كائناً يحد من طغيانه، سواء كان ميكروبات، حرارة، برودة، أو جفاف. هذا الصراع المستمر هو الذي يحفظ لنا "توازن الحياة".

  • الضعيف والقوي: جعل الله الكائنات الضعيفة (مثل دودة الإسكارس) تبيض الملايين لتعويض الفاقد، بينما الكائنات القوية (مثل الفيل أو الإنسان) تنجب القليل. إنها موازين دقيقة لا تختل.


سابعاً: الخفاء كرحمة إلهية.. لماذا حُجبت عنا الحقائق؟

في ختام رؤيته، يؤكد الدكتور مصطفى محمود أن "الستر" هو أعظم نعم الله على الإنسان. الخفاء ليس نقصاً في المعلومة، بل هو "وقاية" للمدرك.

  1. رحمة الطعام والشراب: لو رأينا الميكروبات التي تسبح في كوب الماء، لما استطعنا شربه تقززاً.

  2. رحمة النوم: لو رأينا الكائنات التي تسعى على وسائدنا، لما زار النوم جفوننا من الرعب.

  3. رحمة الغيب والمستقبل: لو عرف كل إنسان موعد موته، أو اطلع على أعماله التي تدونها الملائكة لحظة بلحظة، أو رأى الجن والشياطين من حوله، لانهارت الحياه ولتوقف نبض المجتمع من الفزع والساكتة القلبية.


خاتمة: الدنيا دار امتحان لا دار اطلاع

إن الحكمة من الخفاء والظهور هي أن تظل الدنيا "دار امتحان". الله لم يرد لنا أن نعرف كل شيء بالعلم اليقيني المشاهد، بل أراد لنا أن "نؤمن بالغيب" من خلال إعمال العقل في "الظاهر".
إن رؤية أفعال الله وصفاته في الكون هي دعوة للتفكر، بينما يظل خفاء ذاته دعوة للتعظيم والتقديس. وكما بدأ الدكتور مصطفى محمود حلقته، ننهي هذا التحليل بأن الله هو "الظاهر" بآياته، "الباطن" بذاته، وما بين الظهور والخفاء تكمن قصة الإيمان كله.



تمت كتابة هذا المقال ليكون مرجعاً فكرياً يجمع بين العلم والدين بأسلوب عصري يناسب منصات القراءة الرقمية.



author-img
Tamer Nabil Moussa

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent